القائمة الرئيسية

الصفحات



أسباب انهيار بنك سيليكون فالي .. ثاني أكبر فشل لمؤسسة مالية في أمريكا!

 



بنك سيليكون فالي Silicon Valley Bank يعلن إفلاسه. الجهات الرقابية الأمريكية أغلقت البنك ونقلته تحت سيطرتها. هذا أكبر إفلاس لبنك أمريكي منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008!

جمل قد قرأتها أو سمعتها بالتأكيد خلال الساعات الماضية، قد لا تظن أنها مهمة على مستوى حياتك اليومي أو متعلقة بمجال التنقية إن كنت من المهتمين به ولكن الأمر أكبر من ذلك بكثير. هذا الإفلاس قد يؤثر على هاتفك، والكمبيوتر الخاص بك، والتطبيقات التي تستخدمها، وسيارتك وربما يتطور ويصل إلى وجبة الفطور التي تبدأ بها يومك.

لهذا سنأخذك اليوم في رحلة قصيرة لنعرفك بالبنك المفلس Silicon Valley Bank، ونشرح لك ماذا حدث، وكيف سيؤثر على مجال التقنية وخطورة تطور الأمر وتخطي التنقية والتأثير على الاقتصاد العالمي.

ما هو بنك سيليكون فالي Silicon Valley Bank ؟ ولماذا كل هذا الضجيج؟

بنك سليكون فالي Silicon Valley هو بنك أمريكي تم تأسيسه في عام 1983 ويتخذ من مدينة سانت كلارا بولاية كاليفورنيا الأمريكية مقراًَ له.

يعمل هذا البنك منذ سنوات طويلة في تمويل الشركات الناشئة خاصة في مجال التقنية. من الصعب إيجاد شركة كبيرة في هذا مجال إلا وحصلت على تمويل من هذا البنك نظراً لخبرته الطويلة في مساعدة الشركات الناشئة منذ تأسيسها وحتى طرح أسهمها في البورصة، كما احتل بنك Silicon Valley المرتبة السادسة عشرة بين أكبر البنوك في الولايات المتحدة الأمريكية، مع امتلاك أصول تبلغ 210 مليارا دولار. يعتبر البنك الأكبر من حيث الودائع في وادي السيليكون.

أكبر البنوك في أمريكا - رسم بياني

يوم الجمعة الماضية أعلن البنك إفلاسه بعد محاولة سحب أكثر من 42 مليار دولار من أموال المودعين وانهيار قيمة سهمه، حيث انخفض سهم شركة SVB Financial Group المالكة للبنك من 267 دولار تقريباً إلى 165 دولار تقريباً أي خسر 40% من قيمة سهمه في ساعات.

فور إعلان الإفلاس أعلنت الجهات الرقابية في ولاية كاليفورنيا الأمريكية عن إغلاق البنك حتى يوم الإثنين 13/3/2023 ونقله تحت سيطرتها.

تبع تلك الأخبار انخفاض سريع في أسهم أغلب شركات التقنية الأمريكية. أبل ومايكروسوفت خسروا تقريباً 3% من قيمتهم، أمازون وجوجل وإنفيديا خسروا بين 1.5% و 2% من قيمتهم وبخلاف هؤلاء الكبار في هذا المجال فكل الشركات تقريباً ما عدا تسلا انخفضت قيمة أسهمها كما تضررت كثيراً الشركات الناشئة التي وجدت نفسها فجأة بدون أكبر بنك ممولاً لها في العالم.

الأمر لم يتوقف هنا. أسهم البنوك الأمريكية أخذت جميعها اتجاه الهبوط وسط مخاوف كثيرة من تكرار نفس الأمر معها وحدوث تأثير الدينمو وتكرار سيناريو عام 2008. فلماذا حدث هذا الإفلاس؟

لماذا أفلس بنك سيليكون فالي Silicon Valley Bank؟

كيف يعمل البنك ببساطة؟

لتفهم كيف أفلس البنك يجب أولاً أن تفهم كيف يعمل البنك. لن ندخلك في أمور اقتصادية معقدة سيكون شرحاً بسيطاً لا تقلق.

ببساطة يقوم البنك بأخذ الأموال من المودعين ويقوم باستثمار الجزء الأكبر منها. هذا الاستثمار يكون إما عبر إقراض أطراف أخرى مثل الشركات، الأفراد أو الحكومات أو من خلال شراء أسهم في شركات أخرى أو امتلاكها بصورة كاملة. بعض الدول تسمح للبنوك بالاستثمار مباشرة في مشاريع بعينها ولكننا لن نتطرق إلى هذا الأمر.

بالنسبة للجزء الذي لا يتم استثماره فيحتفظ به البنك لضمان امتلاك سيولة تغطي طلبات العملاء في حال أرادوا سحب أموالهم لأي سبب كان.

يحقق البنك مكاسبه غالباً عبر الاعتماد على فارق نسبة الفائدة بين الإقراض والإيداع. الأولى تكون أكبر والثانية أقل ومن هنا يحقق البنك مكاسبه. قد يحقق أرباحاً أيضاً من تداول الأسهم أو في المشاريع التي يدخل فيها كشريك أو عبر الشركات التي يمتلكها ولكن لن نتطرق لهذا الجزء الآن.

ماذا حدث في بنك سيليكون فالي Silicon Valley Bank؟

قام بنك سيليكون فالي Silicon Valley Bank بشراء سندات مدعومة بالرهن العقاري بقيمة 80 مليار دولار مطلع عام 2022. هذه السندات كانت تعطي فائدة ثابتة قدرها 1.5% وهو ما كان يعتبر رقم مذهل في هذا الوقت في ظل انخفاض قيمة الفائدة دون 1% في الولايات المتحدة الأمريكية.

أسابيع تمر وتبدأ الحرب الروسية الأوكرانية والذي يليها ارتفاع أسرع من المتوقع في التضخم ليخرج البنك الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) ليعلن عن رفع أسعار الفائدة. لم تتم هذه الخطوة مرة واحدة خلال 2022 بل 7 مرات لتصل مع نهاية العام إلى 4.5%.

رفع الفيدرالي الأمريكي للفائدة دفع المستثمرين لسحب استثماراتهم وشراء أذونات الخزانة الأمريكية لأنها أكثر الاستثمارات أماناً، انت تقرض الحكومة الأمريكية بالدولار وهي تضمن لك سعر فائدة. إذا تعثرت الحكومة الأمريكية وفي أسوأ الحالات ستطبع الدولار وتسلمك إياه لهذا أنت تضمن استثماراتك بنسبة 100%.

هذه الخطوة أثرت على بنك سيليكون فالي Silicon Valley Bank من جهتين. من جهة انخفضت قيمة الاستثمارات التي يتم ضخها في البنك، انخفضت إيراداته. ومن جهة أخرى قام مستثمرون بسحب استثماراتهم من أجل توجيهها لأذونات الخزانة الأمريكية تحت ما يُعرف بالتدفقات النقدية (Bank Run) وهو قيام عدد كبير من عملاء البنك أو مؤسسة مالية أخرى بسحب ودائعهم في وقت واحد بسبب مخاوف تتعلق بقدرة البنك على الوفاء بالالتزامات المالية. وكلما زاد عدد الأشخاص الذين يسحبون أموالهم يزداد احتمال التخلف عن السداد، مما يدفع المزيد من الأشخاص إلى سحب ودائعهم. ما قد يصل إلى عجز البنك عن تغطية جميع عمليات السحب تلك.

ثاني ضربة تعرض لها Silicon Valley كانت علاقته بمنصة تداول العملات الرقمية FTX التي أفلست منذ 4 أشهر تقريباً. الأمر أكبر من أن نشرحه في هذا المقال.

سام بانكمان فرايد

ثالثاً الشركات الناشئة التي يمولها البنك تعرضت لأزمات مالية ومع عزوف المستثمرين عن ضخ الأموال فيها بشكل مباشر تفاقم الأمر. بعض منها طلب قروضاً من البنك.

مع كل ذلك لا تنسى أن البنك في موقف سيء لأنه ومع ارتفاع الفائدة من قبل الفيدرالي بات مضطراً لرفع الفائدة على الحلول التي يقدمها والتي لا تقدم جميعها فوائد ثابتة بل أغلبها ذات عائد متغير.

تجمع كل هذه العوامل في وقت واحد جعلت البنك يعاني من أزمة سيولة بسيطة. شيء يحدث في كل البنوك في كل مكان في العالم. ولحل هذه المشكلة قام البنك ببيع سندات بقيمة 21 مليار دولار بالخسارة من أجل توفير سيولة نقدية لسداد احتياجات عملائه. هذه العملية خسر البنك فيها 1.8 مليار دولار ولكنه وفر السيولة المالية التي كان يحتاجها.

لتعويض هذه الخسائر قام البنك بطرح أسهم بـ 2.2 مليار دولار ولكن الأزمة عن هذه العلمية فشلت ولم يمكن البنك من الحصول على التمويل الذي كان يخطط له.

هنا حدثت الأزمة!

ظن المستثمرون أن البنك في حالة سيئة فقد تعرض لخسارة بـ 1.8 مليار دولار وفشل في الحصول على التمويل الذي كان يطمح له. دفع هذا المستثمرون لبيع أسهمهم بغزارة في البنك وهو ما جعل سعر السهم ينخفض من 267 دولار تقريباً إلى 165 دولار تقريباً.

انخفاض أسهم بنك سيليكون فالي - المصدر Yahoo Finance

في اليوم التالي لهذا الانخفاض اندفع المودعون لسحب أموالهم وهو ما يسمى بالذعر المصرفي. المودعون طالبوا بسحب أكثر من 42 مليار دولار. البنك بالتأكيد لا يمتلك سيولة بهذه القيمة. فكر القائمون على البنك طرحه للبيع ولكن الأمر فشل ليزداد الوضع سوء. إذا فكر البنك في بيع أي سندات بالخسارة فهذا سيعطي انطباع أن البنك يفلس وسيزداد الأمر سوء.

هنا تدخلت الإدارة الأمريكية عبر سلطات ولاية كاليفورنيا لإنقاذ الموقف التي أوقفت كل عمليات بنك سيليكون فالي Silicon Valley Bank على أن يتم استئنافها يوم الإثنين المقبل كما باتت هي المسؤولة عن إدارة البنك وإعادة الأموال إلى المستثمرين.

بالتأكيد قد تظن أن الأمر لا يمكن أن يكون أكثر سوءً، أليس كذلك؟ للأسف ظنك خاطئ، فقط 3% تقريباً من الأموال التي يديرها بنك سيليكون فالي مؤمنة من قبل البنك الفيدرالي الأمريكي مع العلم أن هذا التأمين الحد الأقصى له 250 ألف دولار (البنك الفيدرالي سيلتزم برد 250 ألف دولار بأحد أقصى بالنسبة للمتضررين. هذا الأمر سيرى على 3% فقط من إجمالي أموال البنك).

الـ 97% المتبقية والمملوكة لمستثمرين، بنوك إلخ… لن يتم استرداداها بالتأكيد بشكل كامل. الجهات الأمريكية ستقوم بتصفية أصول البنك وكافة ممتلكاته في محاولة للحصول على أكبر عائد مادي ممكن ليتم توزيعه على المستحقين.

من المتضرر؟ وهل يتطور الأمر؟

أبرز متضرر على المدى البعيد هي الشركات الناشئة التي فقدت أكبر ممول لها ولكن المتضرر الأكبر هو البنوك. في الولايات المتحدة الأمريكية خسرت البنوك ما يزيد عن 100 مليار دولار حتى الآن وأثر ذلك على البنوك الأوروبية التي خسرت 50 مليار دولار في نفس الوقت.

لدينا مثال حي، وهو شركة "Shelf Engine" المكونة من 40 موظف، وتقوم على استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة متاجر البقالة على تقليل هدر الطعام. والتي تملك أموالها في بنك سيليكون فالي.

شركة Shelf Engine أحد المُتضررين من انهيار بنك Silicon Valley

وجد الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك، ستيفان كلب نفسه عاجزاً عن سحب أي قرش من أموال الشركة، بالإضافة إلى عدم مساعدة البنك فيما يتعلق بمعالجة الشيكات والمدفوعات. كما فشل في تحويل أموال شركته إلى بنك آخر، حتى اليوم. 

هذا الإفلاس قد يتسبب في أكثر من شيء. قد يدفع المودعون إلى التوجه للبنوك لسحب أموالهم خشية خسارتها وهنا ستكون كارثة كبرى لأن البنوك لا تمتلك سيولة بالتأكيد تغطى الذعر المصرفي الذي سيحدث. إفلاس بنك سليكون فالي قد يتسبب كذلك في إفلاس عدد من البنوك نظراً للخسائر الذين قد يتعرضوا لها نتيجة خسارتهم للأموال التي أودعوها في البنك أو اشتروا أسهمه بها.

حدوث أي من السيناريوهين يعني أننا قد نواجه أزمة مشابهة لأزمة 2008 ولكن الكارثة أن العالم ليس مستعد لسيناريو مشابه في الوقت الحالي.

تعليقات